محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

30

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

سورة العلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى . إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى . أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى . أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى . كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ . كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ . بحسب ما يقول التفسير الاسلامي الموروث ، فإن هذه السورة ، التي تحتل الرقم 96 في المصحف ، هي في الواقع أول وحي نقل إلى محمد في جبل حراء من قبل الملاك جبريل الذي يطابقون بينه وبين الروح القدس . فقد سأله ثلاث مرات : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ! ومحمد يجيب : « ما أنا بقارئ » ! ونمتلك في هذه القصة رواية أدبية عن العملية المستخدمة لنقل الوحي من اللّه إلى الناس عبر محمد . فجبريل يتردد باستمرار بين اللّه ( أي السماء ) ومحمد ( أي الأرض ) لكي يجلب الوحي ، تماما كما كان يفعل سابقا مع يسوع وبقية أنبياء التوراة . وهكذا يضمن الملاك جبريل عن طريق وجوده صحة أو موثوقية الوحي المنقول على طول الخط بدءا من آدم وانتهاء بمحمد . يوجد في التراث الإسلامي شيء يدعى « قصص الأنبياء » ، وهي تحتوي على العديد من القصص . ونخصّ بالذكر منها تلك التي جمعها يهوديّان اعتنقا الإسلام وهما : كعب الأحبار ، ووهب بن منبه . وهذه القصص العديدة تشكّل الخلفية الأسطورية التي تفسر لنا سبب نزول كل آية من آيات القرآن ( والآية هنا تعني القطعة الشفهية أو ما يدعوه علماء الألسنيات بالوحدة النصّية ) . إن هذه القصص تبيّن لنا العلاقة القوية بين تفاسير القرآن ، وبين المخيال الديني الذي ساد طيلة القرون الهجرية الثلاثة الأولى في « الوسط الطائفي » « 1 » لمنطقة الشرق الأدنى . إن معنى العجيب المدهش أو الخارق للعادة بصفته مقولة نفسانية - ثقافية ، منتشر في جميع هذه القصص ومنعكس ( أو مسقط ) على الخطاب القرآني نفسه . وحتى اليوم نلاحظ أن تصوّر الوحي لا يزال مهيمنا عليه من قبل هذا المعنى الخارق للعادة بصفته الأرضية الثقافية القاعدية « 2 » التي ترتكز عليها المعرفة الأسطورية التي يدعوها المؤمنون بالحقيقة الدينية .

--> ( 1 ) هذا هو عنوان كتاب المستشرق ج . وانسبرو الصادر عام 1978 . وهذا الكتاب بالإضافة إلى كتابه الآخر : دراسات قرآنية ، الصادر عام 1977 ، مفيد جدا لموضوعنا ، وله به علاقة وثيقة : - 1 : J . Wansbrough . 1977 ، Press University ، Oxford ، Studies - Quranic 2 ؛ 1978 ، Press University Oxford ، Milieu . Sectarian ( 2 ) أشير هنا إلى دراستي التي تحمل العنوان التالي : « هل نستطيع أن نتحدث عن العجيب المدهش ، أو الساحر الخلّاب في القرآن ؟ » وهي دراسة بالفرنسية منشورة في كتابي : قراءات في القرآن ، الصادر في -